عالِم من الأطراف… وصوت منسيّ في تاريخ الدعوة الإسلامية بسريلانكا، الشيخ عثمان لِبَّي العالِم صاحب (رحمه الله)

عالِم من الأطراف… وصوت منسيّ في تاريخ الدعوة الإسلامية بسريلانكا، الشيخ عثمان لِبَّي العالِم صاحب (رحمه الله)

بقلم: الشيخ الدكتور محمد مخدوم بن عبدالجبار

في قرية هابُوغَسْتلاوا التابعة لمقاطعة نوار إليا، قلب صناعة الشاي في سريلانكا وأحد أبرز معالمها السياحية، عاشت الدعوة الإسلامية قرونًا من الصبر والعمل الصامت. ومن بين أعلامها البارزين برز الشيخ عثمان لِبَّي العالِم صاحب (رحمه الله)، الذي عُرف بين الناس بلقب «الشيخ الكبير»، تقديرًا لعلمه وورعه وأثره العميق في مجتمعه.

وُلد الشيخ عثمان في أسرة علمية عريقة؛ فوالده الشيخ عبد الرحمن لِبَّي (رحمه الله) كان عالمًا، وإمامًا، وخطيبًا، فنشأ في كنفه محبًّا للعلم الشرعي، متشبّعًا برسالة المسجد، ومتقنًا للغة والأدب. وامتد هذا الأثر العلمي والتربوي في أسرته وسلالته؛ فابنه السيد مسيح الدين عثمان لِبَّي (رحمه الله) كان من كبار المربين والمهتمين بتنشئة أبناء المسلمين، وتولّى مهمة التدريس وإدارة مدرسة لسنوات عدة. كما نشأ من ذريته عدد غير قليل من روّاد العلم والمعرفة، ومن أبرز ذراريه: الشيخ الدكتور إنعام الله مسيح الدين، والسياسي المعروف رؤوف حكيم، وكاتب هذه السطور (حفظهم الله)، وهم من الشخصيات العلمية والنشطة المعاصرة والمهتمين بالشأن العام. ولا يزال هؤلاء جميعًا يخدمون مجتمعهم بعلمهم، وفكرهم، وكتاباتهم، وأعمالهم الأكاديمية والسياسية والاجتماعية، جزاهم الله عن ذلك خير الجزاء.

رحلة العلم من سريلانكا إلى الهند

شدّ الشيخ عثمان رحاله إلى كايالباتينام بولاية تاميل نادو في الهند، حيث التحق بالكلية العربية الإسلامية، ثم عاد إلى بلاده حاملًا زاد العلم والهمة. وعمل فترة في المسجد الكبير بمدينة هيتان (وسط البلاد)، الذي شُيّد آنذاك بدعم من تجار مسلمين هنود، قبل أن يعود إلى بلدته هابوغستلاوا، حيث كان من المؤسسين لمسجد النور الكبير.

وظل الشيخ يخدم المسجد والدعوة نحو أربعين عامًا دون مقابل مادي، إلى أن وافته المنية، مجسّدًا نموذج العالم العامل الذي يرى في الدعوة رسالة ومسؤولية، لا وظيفة ومكسبًا.

عالم، وأديب، وشاعر

لم يكن الشيخ عثمان فقيهًا ومعلّمًا فحسب، بل كان أديبًا متمكنًا في اللغة التاميلية، وشاعرًا وناظمًا مبدعًا. ومن أبرز آثاره الأدبية منظومة «بدرو مالاي» التي تناول فيها سِيَر صحابة غزوة بدر رضي الله عنهم بأسمائهم، إلى جانب قصائد ومدائح دينية ظل الناس يتناقلونها ويرددونها جيلًا بعد جيل.

الاهتمام بالعلم وتعليم الأبناء

ومن بصماته الخالدة عنايته بتنشئة العلماء؛ إذ أرسل ابنه الأكبر الشيخ عبيد الستّار (رحمه الله) إلى الهند لطلب العلم، ثم أوفده لاحقًا إلى جامعة الأزهر الشريف في مصر، في زمن لم تكن فيه جوازات سفر ولا تأشيرات، حيث كان السفر يتم من محطة قطار ناوالافيتيا وسط البلاد، مرورًا بـ مانّار شمال البلاد، ثم إلى الهند فمصر، بمبالغ زهيدة لا تتجاوز بضع سنتات.

وكان الأزهر الشريف آنذاك من أعرق الجامعات الإسلامية في العالم، وقد ذاع صيته خاصة في ظل الدولة العثمانية، قبل نشوء الجامعات الحديثة بصورتها المعاصرة.

ريادة علمية في مرتفعات سريلانكا

يُعدّ الشيخ عثمان من روّاد العلماء في منطقة المرتفعات السريلانكية، ويُنسب إليه – بشهادة كبار السن – فضل الإسهام في نشوء سلالة علمية من العلماء والدعاة في منطقته، في مرحلة سبقت التعليم المجاني في سريلانكا، حيث حرص المسلمون على الحفاظ على هويتهم الدينية عبر التعليم الشرعي، في مواجهة التحديات التبشيرية التي رافقت حقبة الاستعمار البريطاني.

وقد أسهمت عوامل تاريخية عدة، من بينها اتساع رقعة الدولة العثمانية، واستمرار الحكم الإسلامي في الهند قرونًا طويلة، وهجرة العلماء من كيرلاوتاميل نادو، وزيارات علماء من العالم العربي، في إيجاد وعي علمي مبكر، جعل أبناء قرى نائية يشدّون الرحال بحرًا طلبًا للعلم.

ويُذكر في هذا السياق أن أول كلية عربية إسلامية في سريلانكا أُسست عام 1885م في ويليغاما بمسجد البخاري، على يد العلامة مابّلي لِبَّي العالِم، في مرحلة مفصلية من تاريخ التعليم الإسلامي في الجزيرة.

رحيل الجسد… وبقاء الأثر

كان قبر الشيخ عثمان (رحمه الله) إلى جوار مسجد النور، تحيط به الزهور ونخلة باسقة، قبل أن يُعاد تنظيم المكان في السنوات الأخيرة. غير أن الأثر الحقيقي لا يُقاس بالمشاهد والمعالم، بل بما خلّفه من علم، وتربية، وذكر حسن، وسيرة باقية في القلوب.

وإن العلماء والدعاة الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الدين، لا شك أنهم رفعوا أكفّهم إلى الله باكين متضرعين من أجل أجيال لم يولدوا بعد. ونحن – الأحفاد والطلاب – نرفع أكفّنا اليوم، سائلين الله العلي القدير أن يتغمّد الشيخ عثمان لِبَّي، وسائر علمائنا وآبائنا ومشايخنا، بواسع رحمته، وأن يجمعهم في أعلى جنات الفردوس مع النبيين والصديقين والصالحين والشهداء.

شبكة سيلان الإخبارية

أول موقع عربي مستقل من جمهورية سريلانكا ويهتم بنشر ما هو جديد ومفيد على مدار الساعة من أخبار سريلانكا والمالديف ودول جنوب آسيا والعالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *