رحيل رائد طب الكُلى في سريلانكا: محمد حسين رضوي شريف يترك إرثًا طبيًا وإنسانيًا خالدًا
✍️ بقلم: الشيخ الدكتور محمد مخدوم بن عبدالجبار
فقدت الساحة الطبية الدولية أحد أعلامها البارزين بوفاة البروفيسور محمد حسين رضوي شريف الذي يُعد من مؤسسي طب أمراض الكُلى في سريلانكا، وذلك بعد مسيرة حافلة امتدت لعقود من العطاء العلمي والإنساني.
ولم يكن الراحل مجرد طبيب متميز، بل كان مدرسة قائمة بذاتها، أسهمت في تشكيل ملامح تخصص أمراض الكُلى في بلاده، حتى استحق عن جدارة لقب “أب طب الكُلى في سريلانكا”. وقد ارتبط اسمه بتطوير خدمات علاج الفشل الكلوي وزراعة الأعضاء، في وقت كانت فيه هذه التخصصات لا تزال في مراحلها الأولى على مستوى المنطقة.
مسيرة علمية راسخة
تلقى رضوي شريف تعليمه في مؤسسات تعليمية مرموقة في كولومبو، قبل أن يلتحق بكلية الطب بجامعة كولومبو، حيث بدأ مسيرته التي سرعان ما تحولت إلى قصة نجاح أكاديمي ومهني لافت.
وتدرج في المناصب الجامعية حتى أصبح أستاذًا ورئيسًا لقسم الطب، كما تولّى إدارة معهد الدراسات العليا في الطب، وأسهم في تطوير برامج التدريب الطبي والتخصصي.
وعلى المستوى السريري، كان له حضور بارز كاستشاري في المستشفى الوطني، حيث عُرف بدقته العلمية واهتمامه العميق بالمرضى، إلى جانب دوره في نقل أحدث الممارسات الطبية إلى النظام الصحي المحلي.
إنجازات غيرت وجه الطب
يُحسب للراحل دوره الريادي في إطلاق برامج زراعة الكُلى في سريلانكا خلال ثمانينيات القرن الماضي، وهو إنجاز شكّل نقطة تحول في علاج المرضى الذين كانوا يواجهون خيارات محدودة آنذاك. كما ساهم في تأسيس بنية تحتية متكاملة لعلاج أمراض الكُلى، بما في ذلك خدمات الغسيل الكلوي المتقدمة.
ولم تقتصر إسهاماته على الجانب الطبي فحسب، بل امتدت إلى البحث العلمي، حيث نشر العديد من الدراسات التي تناولت أمراض الكُلى والتسممات، وأسهمت في رفع مستوى المعرفة الطبية في المنطقة.
كما أسس مؤسسات طبية متخصصة، كان لها دور محوري في تقديم خدمات علاجية متقدمة، وفي تدريب الكوادر الطبية الشابة، ما عزز استدامة هذا التخصص الحيوي.
تأثير إنساني وتعليمي عميق
تميّز رضوي شريف بشخصية قيادية وإنسانية، جعلت منه مرجعًا للعديد من الأطباء والطلاب. فقد آمن بأن الطب رسالة قبل أن يكون مهنة، وسعى إلى غرس هذا المفهوم في كل من تتلمذ على يديه.
وتخرّج على يده مئات الأطباء الذين يشغلون اليوم مواقع مهمة داخل سريلانكا وخارجها، ما يجعل إرثه ممتدًا عبر أجيال من الممارسين في القطاع الصحي.
تكريم مستحق وإرث باقٍ
حظي الراحل بتقدير واسع، تُوّج بمنحه أوسمة وطنية رفيعة تقديرًا لإسهاماته، ليبقى اسمه محفورًا في ذاكرة الطب السريلانكي كأحد أبرز رواده.
وبرحيله، لا تفقد سريلانكا طبيبًا بارزًا فحسب، بل تخسر رمزًا علميًا وإنسانيًا أسهم في إنقاذ حياة الآلاف، ورسّخ دعائم تخصص طبي أصبح اليوم من ركائز الرعاية الصحية الحديثة.
ويبقى إرث محمد حسين رضوي شريف شاهدًا على أن العطاء الصادق والعلم الراسخ قادران على تجاوز حدود المكان والزمان، ليصنعا أثرًا لا يُمحى في حياة البشر.

