الشيخ العلّامة عبد الصمد المخدومي رحمه الله سيرة عالمٍ سريلانكي عاش للعلم… وترك أثرًا لا يزول

الشيخ العلّامة عبد الصمد المخدومي رحمه الله سيرة عالمٍ سريلانكي عاش للعلم… وترك أثرًا لا يزول

بقلم: الشيخ الدكتور محمد مخدوم بن عبدالجبار

وُلد الشيخ العلّامة عبد الصمد بن محمد إبراهيم البهجي المخدومي رحمه الله عام 1911م في قرية أوغودابولا القريبة من كهاتوفيتا، التابعة لمنطقة غمبها غرب سريلانكا. ونشأ في بيئة متواضعة، غير أنها كانت عامرة بحبّ العلم والالتزام الديني، الأمر الذي أسهم مبكرًا في تشكيل شخصيته العلمية والروحية، ورسّخ في نفسه نزعة الجِدّ والصبر والانصراف إلى طلب المعرفة منذ نعومة أظفاره.

رحلة الطلب والتكوين العلمي

بدأ الشيخ رحلته العلمية في سنّ مبكرة؛ ففي عام 1924م، وهو في الثالثة عشرة من عمره، التحق بمدرسة «مظهر السعداء»، حيث تلقّى العلم على يد الشيخ أبي الحسن العالِم، إمام مسجد كهاتوفيتا آنذاك. ودرس هناك اللغة العربية وعلوم النحو والصرف، وأتمّ كتابَي الميزان والأجنَاس خلال عامين من التحصيل الدؤوب. وكان يقطع يوميًا مسافة تقارب الكيلومتر مشيًا على الأقدام، في صورة ناطقة بصبره وجلَده في طلب العلم.

ثم واصل دراسته بين عامي 1927 و1931م على يد الشيخ حسين العالِم، وانتقل معه لاحقًا إلى وليبانّا، حيث تعمّق في علوم الفقه والحديث، فدرس كتبًا مركزية في الفقه والحديث مثل «فتح المعين»، و«مشكاة المصابيح»، و«صحيح البخاري»، وشرح المحلي بثلاثة أجزائه، حتى عام 1937م، جامعًا بين الفقه والدليل، وبين المتن والشرح، في تكوين علمي متين.

وبتوصية من شيوخه، التحق في العام نفسه بمدرسة «البهجة الإبراهيمية» في قلعة غالي. ورغم تقدّمه العلمي، آثر أن يبدأ من المراحل الأولى، تواضعًا والتزامًا بالمنهج، وهو ما يعكس وعيه بأهمية التدرّج العلمي والانضباط المنهجي. وتخرّج عام 1941م، ثم واصل عامًا إضافيًا من الدراسة، ليغادر المعهد نهائيًا عام 1942م، بعد أن قضى قرابة تسعة عشر عامًا في تحصيل العلوم الشرعية.

بين التدريس والجهاد العلمي

امتاز الشيخ عبد الصمد بشغفٍ استثنائي بالكتب والمخطوطات؛ فكان يستعير نفائس مكتبة المدرسة خلال الإجازات، وينقلها إلى منزله لقراءتها وشرحها، ثم يعيدها بعد انتهاء العطلة رغم ما في ذلك من مشقة. وقد خلّف شروحًا علمية نفيسة، لا سيما في علم النحو وشرح المحلي، تدل على ملكة علمية راسخة وقدرة على التحليل والتحقيق.

وفي عام 1943م عمل خطيبًا في مسجد بمدينة كيغالا، جامعًا بين التجارة والخطابة، غير أن شيخه عبد الحميد نصحه بعدم ترك العلم إذا فتح الله له بابه، مذكّرًا إياه بمسؤولية العالم تجاه مجتمعه. فلبّى الشيخ النصيحة، والتحق عام 1945م مدرسًا بمدرسة البهجة الإبراهيمية، حيث أمضى سبعة عشر عامًا في التعليم والدعوة، عُرف خلالها بالثبات، وحسن الخلق، والابتعاد عن النزاعات، والانصراف التام إلى بناء الطلبة علميًا وسلوكيًا.

عطاء متواصل ومؤسسات راسخة

واصل الشيخ مسيرته التعليمية متنقّلًا بين عدد من المعاهد والمؤسسات العلمية، وأسهم في تأسيس وإدارة مدارس دينية عدّة، كان لها أثر بالغ في مسار التعليم الإسلامي في سريلانكا. ومن أبرز هذه المؤسسات الكلية العربية الحَسَنيّة في أودوغودا التي أُسست عام 1978م، وقضى فيها ثمانية عشر عامًا من التعليم والتوجيه مدرسا ومديرا، بعد أن قضى سبعة عشر عامًا مدرساً ومديراً في مدرسة البهجة الإبراهيمية بغالي، فشكّلت هاتان المرحلتان ذروة عطائه العلمي والتربوي، ورسّختا مكانته كأحد أعلام التعليم الشرعي في البلاد.

موسوعيّ المعرفة… فقيهًا وفلكيًا

لم يكن الشيخ عبد الصمد فقيهًا شافعيًا متمكنًا فحسب، بل كان أيضًا مرجعًا فلكيًا بارزًا في تاريخ سريلانكا. فقد برع في علم تحديد القبلة، حتى تجاوز عدد المساجد التي ضُبطت قبلتها على يديه أو بإشرافه سبعمائة مسجد، وهو إنجاز علمي وعملي نادر.

واعتمدت سريلانكا عام 1994م توقيت الصلاة الذي أعدّه بنفسه، بعد جهد طويل في الحساب والرصد. كما صنع بيديه كرةً فلكيةً نحاسية، دوّن عليها بيانات دقيقة عن ميل الشمس والبروج، وصمّم أداة «الربع المجيب» بدقة علمية لافتة، ولا تزال بعض آثاره الفلكية شاهدة على عمق خبرته وتفرّده في هذا المجال.

وفي ميدان التحقيق والنسخ، أنجز عملًا علميًا فريدًا، إذ نسخ بخط يده، ليلًا ونهارًا، نسخةً كاملة من كتاب «روضة الطالبين» للإمام النووي، اعتمادًا على مخطوط قديم نادر يعود لقرون، في ما يقارب 1600 صفحة، في جهد علمي قلّ نظيره من حيث الصبر والدقة والأمانة العلمية، إضافة إلى تأليفه عددًا من الشروح في علوم اللغة العربية والفقه والأصول والفلك.

مواقف وثبات

على امتداد مسيرته، تعرّض الشيخ عبد الصمد لحملات تشويه وتهديدات، بل ولملاحقات قانونية، غير أن ذلك لم يثنه عن أداء رسالته. واستقال في تسعينيات القرن الماضي من رئاسة جمعية علماء سريلانكا، مفضّلًا الاستقلال العلمي على المنصب، وناصحًا بضرورة الالتزام بالمنهج الشافعي الراجح في الفتوى، ومحذرًا من تسييس العمل الديني أو إخضاعه للمصالح الضيقة. وخلّف في هذا السياق منظومات ورسائل علمية، من أبرزها منظومته المعروفة:
«الأرجوزة الترجيحية والعمومية»

وفاته وإرثه العلمي

توفي الشيخ العلّامة عبد الصمد المخدومي رحمه الله يوم 6 يوليو 1996م، الموافق 19 صفر 1417هـ، عن عمر ناهز خمسًا وثمانين سنة، بعد حياةٍ حافلة بالعلم، والتعليم، والعمل، والصبر. ورحل جسده، وبقي أثره حاضرًا في تلاميذه، وفي مؤسساته، وفي علمٍ نافع ما زال يجري به العمل إلى اليوم.
﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ اللهم اغفر له وارحمه، واجعل علمه نورًا في قبره، وأجره أجرَ من علّم ونفع.

شبكة سيلان الإخبارية

أول موقع عربي مستقل من جمهورية سريلانكا ويهتم بنشر ما هو جديد ومفيد على مدار الساعة من أخبار سريلانكا والمالديف ودول جنوب آسيا والعالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *