المالديف تقترب من 300 حافظ للقرآن الكريم مع تصاعد برامج التعليم الديني قبيل رمضان
سجّلت جزر المالديف ارتفاعًا مطّردًا في عدد حفظة القرآن الكريم، حيث بلغ عدد الحاصلين على اعتماد رسمي 291 حافظًا، مع توقعات بتجاوز الرقم حاجز 300 قبل حلول شهر رمضان المبارك، في مؤشر واضح على توسّع برامج التعليم الديني المدعومة من الدولة.
وأعلن وزير الشؤون الإسلامية، محمد شهيم علي سعيد، هذه الأرقام مؤكدًا أن النمو يأتي ثمرةً لمبادرات حكومية طويلة الأمد تهدف إلى تعزيز تعليم القرآن الكريم وترسيخ حضوره في المجتمع المالديفي. وأوضح أن السنوات الأخيرة شهدت انتقال تعليم الحفظ من جهود مجتمعية محدودة إلى برامج وطنية منظمة تشمل مختلف جزر البلاد.
ويُعرف حافظ القرآن في المالديف بلقب «الحافظ»، وهو موقع يحظى بمكانة دينية واجتماعية وتعليمية رفيعة في المجتمعات المسلمة. وفي المالديف، ظل تشجيع حفظ القرآن قائمًا تاريخيًا عبر المساجد والمؤسسات المحلية، إلا أن الحكومة الحالية تتبنى ما تصفه برؤية لبناء «مجتمع محوره القرآن».
وفي هذا الإطار، ضاعفت الدولة المخصصات المالية الشهرية المقدمة للحفّاظ، كما استحدثت حوافز إضافية، من بينها إتاحة فرص أداء عمرة للطلبة الذين يُتمّون حفظ القرآن بنجاح. ومن المقرر تنظيم حفل وطني لتخريج 30 حافظًا جديدًا في اليوم السابع والعشرين من شهر رمضان، وهو يوم ذو دلالة روحية خاصة لدى المسلمين، واعتبره مسؤولون محطة بارزة في مسار التعليم الإسلامي المعاصر في البلاد.
ووفق بيانات وزارة الشؤون الإسلامية، يشارك أكثر من 1,500 طالب حاليًا في برامج حفظ القرآن بمختلف أنحاء المالديف. كما وضعت الحكومة هدفًا يتمثل في تخريج 500 حافظ معتمد خلال السنوات الخمس المقبلة، ما يعكس توجّهًا نحو توسيع البنية المؤسسية وزيادة الدعم المالي المخصص للتعليم الديني.
وفي تعديل لسياسة التكريم، تقرر منح «وسام الرئيس الخاص» لجميع خريجي برامج الحفظ، بعد أن كان مقتصرًا في السابق على المتفوقين فقط، في خطوة تهدف إلى توسيع دائرة التقدير وتشجيع مزيد من الطلبة على الالتحاق بهذه المسارات.
وأكد مسؤولون أن هذه البرامج لا تقتصر على الحفاظ على الإرث الديني، بل تسعى أيضًا إلى توفير مسارات تعليمية منظمة للشباب المالديفي، لا سيما في الجزر النائية التي عانت تاريخيًا من محدودية الوصول إلى المؤسسات الدينية المتخصصة. ومع اقتراب شهر رمضان، تتوقع السلطات انضمام دفعة جديدة من الحفّاظ، لترتفع الحصيلة الوطنية إلى مستوى غير مسبوق.
التوسع المنهجي في تعليم القرآن يعزز الهوية الدينية ويقلّص الفجوة التعليمية بين الجزر
يعكس الارتفاع المتواصل في عدد حفظة القرآن تحولًا واضحًا في سياسة الدولة تجاه التعليم الديني، من الدعم الرمزي إلى الاستثمار المنهجي طويل الأمد. فمضاعفة المخصصات المالية وتوسيع نطاق التكريم الرسمي يشيران إلى رغبة حكومية في جعل حفظ القرآن مسارًا تعليميًا جاذبًا ومُستدامًا، وليس نشاطًا دينيًا هامشيًا. كما أن التركيز على الجزر البعيدة يكشف بعدًا تنمويًا يسعى إلى تقليص الفوارق الجغرافية في فرص التعليم الديني، بما يعزز التماسك الاجتماعي والهوية الدينية الوطنية.
وفي الوقت نفسه، يبرز هذا التوجه كجزء من خطاب أوسع يعيد التأكيد على مركزية الدين في المجال العام، خصوصًا في مواسم ذات رمزية عالية مثل شهر رمضان. ويبقى التحدي مستقبلاً في موازنة هذا التوسع مع ضمان جودة التعليم، وربط مخرجاته بمسارات معرفية ومهنية أوسع تخدم الفرد والمجتمع على حد سواء.
بقلم: الشيخ الدكتور محمد مخدوم بن عبدالجبار

