الشيخ أحمد مبارك المدني: قامة علمية واجتماعية خلدها التاريخ الإسلامي في سريلانكا
من بين الأسماء التي صنعت بصمتها في التاريخ الإسلامي بسريلانكا، يبرز اسم الشيخ أحمد مبارك المدني – قامة علمية وفكرية واجتماعية نادرة، وأحد أبرز علماء الأمة الذين أوقفوا حياتهم لخدمة الدين والمجتمع. لقد كان رمزًا للعلم والاعتدال والعمل المؤسسي، وصوتًا للوسطية والوعي في الداخل والخارج.
🌿 النشأة والتعليم
وُلد الشيخ أحمد مبارك المدني في 5 يوليو 1949م ببلدة مَلوَانَا في منطقة غمبها غرب سريلانكا، في أسرة علمية عريقة، وكان أصغر إخوته. ونشأ في كنف والده الشيخ محمد مخدوم، الذي ربّاه على العلم والانضباط وخدمة المجتمع.
وبدأ تعليمه الأولي في المدرسة الوطنية ببلدته، ثم التحق عام 1963م بـ الكلية الغفورية العربية، إحدى أعرق المدارس الشرعية في البلاد، حيث تخرج عام 1970م بشهادة العالم.
وفي عام 1978م أكمل دراسته في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة متخصصًا في الشريعة الإسلامية، متتلمذًا على كبار العلماء، ومنهم العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – الذي اعتبره من طلابه المتميزين.
📚 الوظائف والمناصب
عاد الشيخ مبارك المدني إلى سريلانكا ليبدأ رحلة عطاء امتدت عقودًا، وتنوّعت أدواره بين الخطابة والتعليم والإدارة والعمل المؤسسي، ومن أبرز محطاته:
- إمام وخطيب الجمعة بمسجد باندارويلا الكبير بخطبه المؤثرة.
- أستاذ ومحاضر في المدارس والكليات، منها الكلية الغفورية العربية التي تولى إدارتها نحو 32 عامًا، والجامعة النظيمية الإسلامية.
مناصب قيادية واستشارية في مؤسسات عديدة، منها:
- مستشار سابق لوزارة الشؤون الدينية والثقافية الإسلامية (DMRCA).
- عضو ومستشار بالمعهد الوطني للتربية والتعليم (NIA).
- عضو بالمركز الثقافي الإسلام في كولومبو (MICH).
- نائب رئيس مجلس إدارة جامعة الإمام عبدالعزيز بن باز بملوانا.
- مستشار شرعي للبنوك الإسلامية منذ 2002م.
- ممثل دار الإفتاء السعودية في سريلانكا.
🕌 دوره في جمعية علماء سريلانكا (ACJU)
يُعدّ الشيخ مبارك المدني أحد أعمدة جمعية علماء سريلانكا، حيث:
- تولى رئاسة الجمعية (1991 – 2003م).
- شغل منصب نائب الرئيس ثم الأمين العام حتى وفاته (2020م).
- كان عضوًا بارزًا في لجنة الإفتاء العامة منذ عام 1979م.
وبفضل جهوده، تحولت الجمعية إلى مؤسسة وطنية ذات تأثير واسع في الشأن الديني والاجتماعي، وكان سندًا لزملائه العلماء وعلى رأسهم فضيلة المفتي الشيخ محمد رضوي رئيس الجمعية الحالي.
✍️ إسهاماته العلمية والفكرية
لم يكن الشيخ مبارك مجرد إداري أو خطيب، بل ترك بصمات واضحة في التأليف والبحث، حيث ألّف:
- “أحكام الجنائز” (1992م).
- مؤلفات في فقه الحج والصيام، وأحكام المدارس، وقضايا معاصرة كالقاديانية.
- ترجمات إلى اللغة السنهالية لتوسيع دائرة التأثير.
- مشاركات دولية في مؤتمرات علمية قدّم فيها بحوثًا حول الشريعة والفكر الإسلامي.
كما كان وجهًا إعلاميًا بارزًا، عبر برامجه في إذاعة سريلانكا منذ الثمانينيات، مما رسّخ حضوره في المجتمع.
🤝 الأثر الاجتماعي والإنساني
عرف الشيخ مبارك بتوازنه بين الصرامة العلمية والرحمة الإنسانية، فلم يعرف الكلل في خدمة الناس.
- كان قريبًا من العلماء والشباب والعامة.
- ساهم في بناء مؤسسات تعليمية خرّجت أجيالًا من العلماء.
- جمع بين الفكر والعمل، فترك أثرًا باقياً في النهضة الإسلامية والتعليمية بسريلانكا.
🕊️ الوفاة
في يوم 27 أكتوبر 2020م، ودّعت سريلانكا عالمها الكبير الشيخ أحمد مبارك المدني، بعد مسيرة عطاء امتدت أكثر من نصف قرن. نعته الهيئات العلمية محليًا ودوليًا باعتباره:
“شمعة أضاءت الدرب لأجيال، فانطفأت جسدًا وبقيت نورًا خالدًا.”
🌟 خاتمة
لقد كان الشيخ أحمد مبارك المدني – رحمه الله – عالِمًا عاملاً، ومربيًا صادقًا، ورمزًا للوحدة والعطاء. وترك بصمة واضحة في التاريخ الديني والاجتماعي بسريلانكا، وستظل سيرته مصدر إلهام للأجيال المقبلة.
رحمه الله رحمة واسعة، وجعل علمه وعطاءه صدقة جارية إلى يوم الدين.
✍️بقلم: الشيخ الدكتور محمد مخدوم بن عبد الجبار

