مسيرةُ عالمٍ نذر نفسه لخدمة الإسلام والمسلمين
فضيلة الشيخ محمد رياض بن محمد جلال الدين الغفوري -رحمه الله- الأمين العام السابق لجمعية علماء سريلانكا
“رحم الله من عاش للعلم، وعلّمه، ونشره، وذاد عن الأمة بعلمه، وجمع كلمتها بوَعيه.”
البيانات الشخصية والنشأة العلمية
وُلد فضيلة الشيخ محمد رياض بن محمد جلال الدين الغفوري – رحمه الله – في 25 يناير 1933م، في قرية “كمل دوري” بمنطقة كوتشيكّادي، بمدينة نيغومبو التابعة لمقاطعة غامباها، لأسرةٍ كريمةٍ اشتهرت بالصلاح والفضل، وكان الابن الأكبر للشيخ محمد جلال الدين رحمه الله.
وبدأ مسيرته بطلب العلم في سن الخامسة، حيث التحق عام 1938 بمدرسة “كمل دوري” الإسلامية – والتي تُعرف اليوم باسم مدرسة الفلاح الكبرى. وفي عام 1943، التحق بـالكلية العربية الغفورية في “ماهاراغاما”، وتخرّج فيها عام 1951 حاملًا شهادة العالم في العلوم الشرعية.
ورغم انقطاعه المبكر عن التعليم العام، إلا أن عزيمته لم تفتر، فعاد بعد ذلك إلى مقاعد الدراسة النظامية، وواصل حتى نال شهادة الثانوية العامة بحلول عام 1956، قبل أن يلتحق بـكلية إعداد المعلمين في “أتّالاي تشيناي”، ويتخرّج منها كمعلم معتمد مؤهل لأداء رسالة التربية والتعليم.
التحصيل العلمي الأكاديمي
لم يكتفِ الشيخ الجليل بما ناله من تعليم ديني ونظامي، بل واصل طلب العلم حتى نال:
• درجة البكالوريوس (مع مرتبة الشرف) من جامعة بيرادينيا.
• دبلوم الدراسات العليا في التربية (PGDE) من جامعة كولومبو.
وهذا الجمع المتميز بين التأصيل الشرعي والتمكن الأكاديمي، كان من أبرز سماته التي أهلته ليكون جسرًا بين المؤسسات الدينية والرسمية في الدولة.
المسيرة المهنية والتعليمية
بدأ الشيخ رياض – رحمه الله – حياته المهنية في التعليم، حيث درّس في عدد من أبرز المدارس والمعاهد، منها:
• كلية الزاهرة – بوتالام
• كلية الأقصى – كالبّيتيا
• كلية الزاهرة – ماونلّا
• كلية الهداية – كولومبو
• كلية الزاهرة – كولومبو
• كلية كينغسوود – كاندي
• وغيرها من المؤسسات التعليمية الرسمية والإسلامية.
كما عمل لأكثر من عشرين عامًا في وزارة التربية والتعليم في سريلانكا، ثم التحق بمركز تطوير المناهج في كولومبو، حيث عمل مؤلفًا وخبيرًا في إعداد الكتب الدراسية، ومستشارًا تربويًا متخصصًا في الشؤون الإسلامية والعربية.
المناصب الإدارية العليا
تميز الشيخ رياض بكفاءته الإدارية وخبرته الواسعة، فتقلّد عدة مناصب عليا، منها:
• مدير التعليم (1973 – 1981) – رئيس الإدارة التعليمية.
• نائب مدير التعليم الإسلامي والعربي (1981 – 1990).
• رئيس لجنة الامتحانات القومية في المعهد الوطني للتعليم (NIE).
وبذلك قضى أكثر من 17 عامًا في إدارة التعليم الإسلامي والعربي على مستوى الدولة، وأسهم في تطوير المناهج وتحديث النظام التعليمي الخاص بالمواد الدينية.
العمل الدعوي والريادة في العمل الإسلامي
يُعد الشيخ رياض –رحمه الله– من أبرز العلماء العاملين في سريلانكا في القرن العشرين، وتميّز بمواقفه المعتدلة، واستقلاله عن الأحزاب والتيارات، فكان عالِمًا وسطِيًّا موحّدًا لا مفرّقًا، فحاز على احترام وتقدير الجميع.
ارتباطه بجمعية علماء سريلانكا
ارتبط اسم الشيخ رياض باسم “جمعية علماء سريلانكا” (ACJU)، بل أصبح رمزًا من رموزها، حيث:
• شغل منصب الأمين العام للجمعية منذ عام 1979، ولمدة تقارب 25 عامًا.
• عمل على إعادة هيكلة الجمعية وتوسيع نطاقها، لتصبح الممثل الشرعي والديني للمسلمين في البلاد.
• أسّس المقر الرسمي الأول للجمعية في العاصمة، بالتعاون مع رئيسها آنذاك الشيخ أحمد مبارك بن محمد مخدوم.
• أشرف على تأسيس فروع الجمعية في جميع المحافظات السريلانكية (25 فرعًا).
ولذلك، قال عنه العلماء والمشايخ:
“الشيخ رياض كان هو الجمعية المتنقّلة، يحملها في حقيبته، ويجول بها في البلاد كلها.”
جهوده في الإصلاح والوحدة الوطنية
في فترة عانت فيها البلاد من الانقسام الطائفي والعرقي، برز دور الشيخ رياض في:
• رأب الصدع بين الفرق الإسلامية المتنازعة، وتعزيز ثقافة الحوار والتسامح.
• المساهمة في تأسيس هيئة “اتحاد المسلمين”، وهي منظمة تنسيقية جمعت بين العلماء والمفكرين والسياسيين، وكان أمينها العام بالتعاون مع مؤسسها الحاج شافعي ماراكّار.
• السعي إلى الوحدة بين العرقيات والأديان، عبر مؤتمرات ومبادرات للسلام بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الحكومية.
إسهاماته العلمية والدعوية
كان للشيخ رياض أثر بالغ في تطوير التعليم الديني، ومن أبرز إسهاماته:
• توحيد مناهج المدارس العربية (المعاهد الشرعية).
• إعداد المناهج التربوية للمعاهد الأحدية، وهي المدارس الدينية التي تعمل أيام الأحد..
• تطوير منهج التربية الإسلامية في المدارس الحكومية بالتنسيق مع وزارة التربية.
وقد نال فضيلة الشيخ رياض -رحمه الله- نظير جهوده العلمية والدعوية والتربوية، عدة أوسمة رسمية وألقاب علمية مرموقة، منها: وسام “كالا بوشانم” – أحد أرفع أوسمة الدولة في سريلانكا، وتعيينه قاضي صلح وطني من قِبل وزارة العدل السريلانكية، وشهادات تكريم من وزارة الشؤون الإسلامية السريلانكية، فضلاً عن تكريمات من وزارة الشؤون الإسلامية – المملكة العربية السعودية، وجامعة الأزهر – مصر، والمنظمات الدولية العاملة في التعليم والدعوة.
رحيل العالم… وخلود الأثر
توفي الشيخ رياض الغفوري – رحمه الله – بعد معاناة مع المرض، في يوم 10 ديسمبر 2013م، تاركًا خلفه إرثًا علميًا، وأثرًا مجتمعيًا، ومسيرةً ناصعةً من الإخلاص والوفاء للدين والوطن.
ورغم نشأته في بيئة بسيطة، ودخوله مبكرًا للمعاهد الشرعية، إلا أنه استطاع أن يكمل تعليمه العام والعالي، ويجمع بين العلم الشرعي والعلم النظامي، ليصبح نموذجًا مشرفًا ومُلهمًا للأجيال القادمة.
ختامًا:
نسأل الله تعالى أن يكرم الشيخ الجليل، ويجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يرفع مقامه في أعلى عليين، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
اللهم آمين.
✍️بقلم: الشيخ الدكتور محمد مخدوم بن عبد الجبار

